الأخبار:: الثلاثاء 18 آب 2026
طفلةٌ من سجد رشقت جندياً إسرائيلياً بالسكاكر، ثم كبرت وهي تحمل اللغة والأدب والتعليم وجوهاً أخرى للمقاومة. زينب ناصر الدين (1979ـــ 2026)، التي استشهدت مع أطفالها الأربعة في غارة إسرائيلية على بلدة أنصار، تركت سيرةً تتقاطع فيها الترجمة والشعر والتربية، ومكتبةً كانت تستعدّ لجمع نصوصها منها في كتاب
طفلة صغيرة من سجد رشقت جندياً إسرائيلياً بسكاكر حاول أن يغري بها أطفال القرية المحتلة، لكنها ككلّ الجنوب اللبناني كانت بداية لكتابة سيرة من النضال وكره العدو.
زينب ناصر الدين (1979 ـــ 2026) الأم التي ارتقت مع أطفالها الأربعة في غارة إسرائيلية استهدفت مدينة أنصار في جنوب لبنان قبل أيام، قصة جديدة عن امرأة جنوبية تحول الثقافة إلى حياة، والشغف باللغة إلى رسالة تربوية وأدبية هادئة، تاركةً خلفها أثراً واضحاً ومكتبة تحفظ كلماتها.
من بيت في سجد
ولدت الشهيدة عام 1979 في بيت يحبّ الكلمة ويبجّل الحرف، ما عمّق لديها الوعي والالتزام؛ من أم مناضلة، وأب أستاذ جامعي غرَس في أسرته باكراً مفهوم المقاومة ورفض الاحتلال.
عاشت العائلة مرارة التهجير قسراً من قرية سجد أواخر عام 1984، وظلت محرومة من العودة إليها حتى تحرير الجنوب عام 2000. وفي التسعينيات، انتقلت زينب إلى «ثانوية البتول» حيث تعمّق التزامها الإيماني والوطني، وستعود إليها لاحقاً كمعلمة، بعد إنهاء دراستها في الجامعة الإسلامية، والحصول على إجازة وديبلوم في الترجمة بتميزٍ وكان ترتيبها ضمن المتفوقين.
الشاعرة والمترجمة
تجلّت روح زينب ناصر الدين الأدبية في نصوص وقصائد نشرتها في ملحق «نهار الشباب» خلال التسعينيات، حيث كتبت عن الحب والنصر بأسلوبٍ حديث ومختلف أثنى عليه الراحل جبران تويني، واصفاً إياها بأنها من الشاعرات الواعدات في الشرق. وكانت زينب شريان الأدب في منزلها؛ تقرأ وتناقش مع والدها روايات نجيب محفوظ، وغابرييل غارسيا ماركيز، وحنا مينه، وتدوّن ملاحظاتها الشغوفة على ديوان محمود درويش كاملاً.
كانت تستعدّ لجمع
قصائدها ونصوصها ونشرها
في كتاب
عملت زينب معلّمة للغة الفرنسية في «مدارس البتول» التي خرجت منها طالبة، واستطاعت بشغفها أن تُحبّب طلابها باللغة وآدابها. لم تكتفِ بالتدريس، بل كانت مترجمة شغوفة ترجمت كتابين عن الأدب الفرنسي لـ «دار الرافدين»، وظلت حتى آخر أيامها متمسكةً بشغف الترجمة ومتابعة جديدها.
ولم يكن حضورها الأدبي يقتصر على نصوصها الخاصة، بل كانت تُشكّل مرجعاً نقدياً وحاضناً ثقافياً لأسرتها ومحيطها؛ فكانت القارئ الأول والعين الثالثة التي يثق برأيها شقيقها الشاعر والصحافي محمد ناصر الدين، يشاركها مقالاته وملفاته الشعرية قبل نشرها ليسترشد بملحوظاتها الناضجة ورؤيتها القائمة على ذائقةٍ رصينة.
البيت والمكتبة واليوم الأخير
تزوجت زينب بشاب مقاوم يشبه الأرض التي أنبتتها، وجسّدت في بيتها معاني الصدق والسكينة؛ فدارت شؤون أسرتها ورعت أطفالها الأربعة حسن، وزهراء، وحسين، وعباس، بأمانةٍ وهدوء وابتسامة لا تغيب. وعندما حانت ساعة الرحيل، لم تذهب دون أطفالها الذين علمتهم رفض الاحتلال وواقعه.
تحمل مكتبتها الخاصة بصماتها الأخيرة. في أواخر أيامها، أعادت تنظيم مكتبتها المنزلية في حارة حريك في ضاحية بيروت الجنوبية بمساعدة زوجها تمهيداً لجمع قصائدها ونصوصها ونشرها في كتاب. وفي يومها الأخير، زارت قبر والدها مرتين يوم الجمعة، وأخبرت والدتها برؤيا رأت فيها جدتها تُضيّفهم بفناجين خزفية ملونة، قبل أن ترتقي في تلك الليلة شهيدةً مع أطفالها، تاركةً خلفها أثراً أدبياً وإنسانياً ونقديّاً حافلاً بالجمال والنقاء.

